فصل: كتاب الإقرار

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ***


باب دعوى الرجلين

لما فرغ من بيان دعوى الواحد ذكر دعوى ما زاد عليه والواحد قبل ما زاد ‏(‏ لا تعتبر بينة ذي اليد في الملك المطلق ‏)‏ وهو أن يقول في دعواه أن هذا ملكي ولم يبين سبب ملكه ‏(‏ وبينة الخارج فيه ‏)‏ أي في المطلق ‏(‏ أحق ‏)‏ بالاعتبار وبه قال أحمد ‏.‏ وقال الشافعي ومالك بينة ذي اليد أحق لاعتضادها باليد ولنا أن البينة شرعت للإثبات وبينة الخارج أكثر إثباتا ‏;‏ لأنه لا ملك له على المدعي بوجه وذو اليد له ملك عليه باليد فترجحت بينة الخارج بكثرة ثبوتها إلا إذا ادعى ذو اليد مع الملك فعلا كالعتق والتدبير والاستيلاد فبينة ذي اليد أولى بخلاف الكتابة كما سيأتي قيد بالمطلق لاستوائهما في المقيد بالسبب ‏,‏ وهذا إن وقتا أو لم يوقتا باتفاق ‏(‏ برهنا ‏)‏ أي الخارجان ‏(‏ على ما في يد آخر ‏)‏ أي لو برهن خارجان على عين في يد ثالث منكر بعد ادعاء كل منهما ملكا مطلقا فأقاما البينة ‏(‏ قضى به ‏)‏ أي بهذا الشيء ‏(‏ لهما ‏)‏ بطريق الاشتراك عندنا لقبول الشركة على المناصفة ‏;‏ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قضى بناقة بينهما بنصفين لاستوائهما في سبب الاستحقاق ولم يأمر عليه الصلاة والسلام بالقرعة ‏;‏ لأن استعمال القرعة في وقت كان القمار فيه مباحا ثم انتسخت بحرمة القمار إذ تعليق الاستحقاق بخروج القرعة قمار وكذا تعيين المستحق بخروج القرعة بخلاف قسمة المال المشترك فللقاضي ثمة ولاية التعيين بغير قرعة وإنما يقرع لتطيب القلوب ونفي تهمة الميل عن نفسه فلا يكون ذلك في معنى القمار خلافا للشافعي وأحمد كما سيأتي ‏.‏ ‏(‏ ولو ‏)‏ برهنا ‏(‏ على نكاح امرأة سقطا ‏)‏ لتعذر العمل بهما ‏;‏ لأن المحل لا يقبل الاشتراك وإذا تهاترا فرق القاضي بينهما حيث لا مرجح وإذا تهاترا وكان قبل الدخول فلا شيء على كل واحد منهما كما في البحر وهذا مقيد بما إذا كان المدعيان حيين والمرأة أما لو برهنا عليه بعد موتها ولم يؤرخا أو أرخا واستوى تاريخهما فإنه يقضي بالنكاح بينهما وعلى كل واحد منهما نصف المهر ويرثان ميراث زوج فإن جاءت بولد يثبت النسب منهما ويرث من كل واحد منهما ميراث ابن كامل وهما يرثان من الابن ميراث أب واحد كما في المنح ‏(‏ وهي ‏)‏ أي المرأة ‏(‏ لمن صدقته ‏)‏ ‏;‏ لأن النكاح مما يحكم به بتصادق الزوجين إذا لم تكن المرأة المتنازع فيها في يد من كذبته ولم يكن دخل من كذبته بها ‏,‏ وأما إذا كانت في يد الآخر أو دخل بها فلا اعتبار بالتصديق ‏;‏ لأنه دليل على سبق عقده كما في المنح ‏(‏ فإن أرخا ‏)‏ أي المدعيان لنكاحها وكان تاريخ أحدهما سابقا ‏(‏ فالسابق أحق ‏)‏ بها من الآخر ‏;‏ لأنه لا معارض في هذا الزمان فيكون القضاء للسابق إذ عقد اللاحق وبرهانه باطل ولا يعتبر ما ذكر من كونها في يده أو دخل بها ولو أرخ أحدهما فقط فإنها لمن أقرت له كما لو أرخ أحدهما وللآخر يد فإنها لذي اليد كما في البزازية ‏.‏ ‏(‏ وإن أقرت ‏)‏ المرأة بالزوجية ‏(‏ لأحدهما قبل البرهان فهي ‏)‏ أي المرأة ‏(‏ له ‏)‏ لتصادقهما عليه ‏(‏ فإن برهن الآخر ‏)‏ أي الذي لم تقر له ‏(‏ بعد ذلك ‏)‏ أي بعد الإقرار للأول ‏(‏ قضى له ‏)‏ أي للمبرهن لقوة البرهان فإن برهنا بعد الإقرار فالسابق أولى ‏.‏ ‏(‏ وإن برهن أحدهما ‏)‏ على نكاحها ‏(‏ فقضى له ‏)‏ بالنكاح ‏(‏ ثم برهن الآخر ‏)‏ على أنه نكحها ‏(‏ لا يقبل ‏)‏ برهانه إذ لا ينقض شيء بمثله وههنا صار الأول أقوى لاتصال القضاء به ‏(‏ إلا ‏)‏ وقت ‏(‏ إن أثبت ‏)‏ ذلك الآخر بالبينة ‏(‏ سبقه ‏)‏ أي سبق نكاحه إياها على نكاح الأول فحينئذ يقضي لتيقن الخطأ في الأول ‏.‏ ‏(‏ وكذا لا يقبل برهان خارج على ‏)‏ زوج ‏(‏ ذي يد ‏)‏ على امرأة ‏(‏ نكاحه ظاهر ‏)‏ بنقلها إلى بينة أو بالدخول معه ‏(‏ إلا إن أثبت ‏)‏ الخارج ‏(‏ سبقه ‏)‏ أي سبق نكاحه على نكاح ذي اليد بالبينة فإنه يقضي له لما مر ‏(‏ وإن برهنا ‏)‏ أي الخارجان ‏(‏ على شراء شيء من آخر ‏)‏ أي من ذي يد بلا تاريخ ‏(‏ فكل نصفه ‏)‏ أي لكل واحد منهما نصف ذلك الشيء ‏(‏ بنصف ثمنه ‏)‏ أي ثمن ذلك الشيء إن شاء ورجع به على البائع بنصف ثمنه ‏(‏ أو تركه ‏)‏ أي ترك النصف إن شاء ‏;‏ لأنهما لما استويا في السبب وجب على القاضي أن يقضي به بينهما لتعذر القضاء بكله فيتخير كل منهما لتغير شرط عقده عليه فلعل رغبته في تملك الكل فيرده ويأخذ كل الثمن وعند الشافعي في قول واحد يقرع ‏,‏ وفي قول آخر تهاترت البينتان ‏,‏ ويرجع إلى تصديق البائع ‏;‏ لأن إحداهما كاذبة بيقين قلنا أن المحل الواحد لا يتصور أن يكون مملوكا لزيد على الكمال ومملوكا لعمرو على الكمال ‏;‏ لأن المشهود في الحقيقة هو السبب ‏;‏ لأن المحسوس المحاط للشهود وكل واحد من الفريقين هناك صادق بأن يعاين السبب من الرجلين ولا يعلمان سبق أحدهما ‏(‏ وبترك أحدهما ‏)‏ نصفه ‏(‏ بعدما قضى لهما لا يأخذ ‏)‏ المدعي ‏(‏ الآخر كله ‏)‏ ‏;‏ لأن بالقضاء انفسخ العقد في حق كل في النصف قيد بقوله بعد القضاء ‏;‏ لأنه قبل القضاء به يأخذ كله لإثبات برهانه اشتراء الكل بلا مزاحم للقضاء ‏(‏ فإن كان لأحدهما يد أو تاريخ فهو ‏)‏ أي صاحب اليد أو التاريخ ‏(‏ أولى ‏)‏ ‏;‏ لأن تمكنه من قبضه يدل على سبق شرائه إذ قبض القابض وشراء غيره حادثان فيضافان إلى أقرب الأزمان ‏,‏ وهو الحال مع أن قبض الشيء متأخر عن شرائه فصار شراؤه أقدم تاريخا من شراء غير القابض وبالتاريخ أثبت ملكه في ذلك الوقت ‏,‏ واحتمل الآخر أن يكون قبله أو بعده فلا يقضي له بالشك ‏.‏ وقال صاحب البحر ‏:‏ ولي إشكال في عبارة الكتاب ‏,‏ وهو أن أصل المسألة مفروضة في خارجين تنازعا فيما في يد ثالث فإذا كان مع أحدهما قبض كان ذا يد تنازع مع خارج فلم تكن المسألة ‏,‏ ثم رأيت في المعراج ما يزيله من جواز أن يراد أنه أثبت بالبينة قبضه فيما مضى من الزمان ‏,‏ وهو الآن في يد البائع إلا أنه يشكل ما ذكره بعده عن الذخيرة بأن ثبوت اليد لأحدهما بالمعاينة انتهى ‏.‏ والحق أنها مسألة أخرى وكان ينبغي إفرادها انتهى ‏.‏

فصل في التنازع بالأيدي لما فرغ من بيان وقوع الملك بالبينة شرع في وقوعه بظاهر اليد لما أن الأول أقوى ‏;‏ ولهذا إذا قامت البينة لا يلتفت إلى اليد فقال ‏(‏ لابس الثوب أولى من الآخذ بكمه والراكب أحق من الآخذ باللجام ومن في السرج أحق من الرديف ‏)‏ أي لو تنازعا ثوبا أحدهما لابس والآخر آخذ بكمه وغيره من الأطراف ‏,‏ ولا بينة لهم فاللابس أولى من الآخذ في كونه صاحب اليد ‏;‏ لأنه متصرف ومستعمل وكذا أو تنازعا أحدهما راكبا والآخر آخذ بلجامها والراكب أولى في كونه ذا يد إذ تصرفه أقوى ‏.‏ وكذا لو تنازعا دابة أحدهما راكب بسرجها والآخر رديفه فالأول أحق ‏;‏ لأن تمكنه من ذلك دليل على تقدم يده وقيل هي بينهما على السواء ‏(‏ وصاحب الحمل أولى ممن علق كوزه عليها ‏)‏ أي إذا تنازعا في دابة وعليها حمل لأحدهما وللآخر كوز والأول أولى من كونه ذا يد ‏;‏ لأنه أكثر تصرفا فيها ولا ترجيح بكثرة الحمل إن كانا حملاها وتنازعا كما لا عبرة بكثرة الشهود ‏,‏ وإذا أقاما بينة في هذه الصور فبينة من كان في حكم خارج أولى لما مر مرارا ‏.‏

باب دعوى النسب

لما فرغ من بيان دعوى الأموال شرع في دعوى النسب ‏;‏ لأن الأول أكثر وقوعا فكان أهم ذكرا فقدمه ‏(‏ ولدت مبيعة لأقل من نصف سنة ‏)‏ قمرية ‏(‏ منذ بيعت فادعاه ‏)‏ أي الولد ‏(‏ البائع ‏)‏ أي بائع المبيعة ولو أكثر من واحد ‏(‏ فهو ‏)‏ أي الولد ‏(‏ ابنه ‏)‏ فيثبت نسبه من البائع بدعوته وإن لم يصدقه المشتري لتيقن العلوق قبل البيع في ملكه مع دعوة لم تبطل بالبيع والمراد من المبيعة الجارية التي لا تباع إلا مرة كما هو المتبادر فبهذا اندفع ما قيل من أنه واجب عليه أن يقول مذ بيعت وقد ملكها سنتين احترازا عما إذا بيعت مرتين فولدت لأقل من ستة أشهر فإنه حينئذ لم يتيقن أن العلوق في ملك البائع الأول أو الثاني ‏(‏ وهي ‏)‏ أي الجارية ‏(‏ أم ولده ‏)‏ ‏;‏ لأن العلوق وقع في ملكه بيقين ‏(‏ ويفسخ البيع ‏)‏ لعدم جواز بيع أم الولد فيأخذ البائع المبيعة ‏(‏ ويرد الثمن ‏)‏ لعدم سلامة المبيع للمشتري ‏.‏ ‏(‏ وإن ‏)‏ وصلية ‏(‏ ادعاه ‏)‏ أي النسب ‏(‏ المشتري مع دعوته ‏)‏ أي البائع ‏(‏ أو ‏)‏ ادعاه المشتري ‏(‏ بعدها ‏)‏ ‏;‏ لأن دعوة البائع دعوة استيلاد لكون أصل العلوق في ملكه ودعوة المشتري دعوة تحرير إذ أصل العلوق لم يكن في ملكه والأول أقوى وأسبق ‏,‏ هذا عندنا ‏,‏ وهو استحسان ‏;‏ لأن العلوق لما اتصل بملكه كان ذلك على كونه منه شهادة ظاهرة حيث إن الظاهر عدم الزنا مع أن النسب مبناه على الخفاء فيعفى فيه التناقض والقياس وهو قول زفر والأئمة الثلاثة دعوة باطلة ‏;‏ لأن البيع اعتراف منه بأنها أمته وبالدعوة يكون مناقضا وإذا بطلت دعواه لم يثبت النسب بدون الدعوة إلا أن يصدقه المشتري أما لو ادعى المشتري أولا ثم ادعاه البائع لا يثبت النسب من البائع ‏;‏ لأن النسب الثابت من المشتري لا يحتمل النقض كإعتاقه إذ يحمل على أن المشتري نكحها واستولدها ثم اشتراها ‏(‏ وكذا ‏)‏ يثبت النسب من البائع ‏(‏ لو ادعاه ‏)‏ أي البائع ‏(‏ بعد موت الأم أو عتقها ‏)‏ أي إن ماتت الأم ثم ادعاه البائع وقد ولدت للأقل يثبت النسب من البائع ويأخذ الولد ‏;‏ لأن الأصل في ثبوت النسب هو الولد لا الأم ولذا تضاف الأم إليه ويقال أم الولد وتستفيد الأم الحرية من جهته لقوله عليه الصلاة والسلام أعتقها ولدها فالثابت لها حق الحرية وله حقيقتها والأدنى يتبع الأعلى فلا يضره فوات التبع وكذا لو ادعى البائع الولد المولود لأقل من نصف سنة بعد إعتاق المشتري الأم يثبت نسبه ويحكم بحريته لا في حق الأم فلا تصير أم الولد للبائع ‏;‏ لأن دعوته إن صحت في حق الأم بطل إعتاق المشتري والعتق بعد وقوعه لا يحتمل البطلان ‏(‏ ويرد حصته ‏)‏ أي حصة الولد ‏(‏ من الثمن في العتق ‏)‏ أي يقسم الثمن على قيمتي الولد والأم ويرد ما أصاب الولد من القيمة يوم الولادة دون ما أصاب الأم مع القيمة يوم القبض ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ يرد ‏(‏ كل الثمن في الموت ‏)‏ عند الأم ‏;‏ لأنه تبين أنه باع أم ولده وماليتها غير متقومة عنده في العقد والغصب فلا يضمنها المشتري ‏(‏ وقالا ‏)‏ يرد ‏(‏ حصته فيهما ‏)‏ أي في العتق والموت ‏;‏ لأنها متقومة عندهما فيضمنها فعلى ما ذكره يكون رد حصته من الثمن لا حصتها متفقا عليه إنما الخلاف في الموت لكن في الدرر وغيره إذا أعتق المشتري الأم أو دبرها يرد البائع على المشتري حصته من الثمن عندهما وعنده برد كل الثمن في الصحيح كما في الموت كذا ذكر في الهداية فعلى ‏,‏ هذا أن الخلاف ثابت فيهما على ما اختاره صاحب الهداية والمصنف اختار ما ذكر في المبسوط حيث قال ‏:‏ يرد حصته من الثمن لا حصتها بالاتفاق وفرق على هذا بين الموت والعتق بأن القاضي كذب البائع فيما زعم حيث جعلها معتقة من المشتري فبطل زعمه ولم يوجد التكذيب في فصل الموت فيؤخذ بزعمه فيسترد بحصتها أيضا كما في الكافي ‏.‏ ‏(‏ ولو ادعاه ‏)‏ البائع ‏(‏ بعد موته ‏)‏ أي بعد موت الولد ‏(‏ أو عتقه ردت ‏)‏ دعواه لعدم حاجته إلى النسب بعد الموت وكذا بعد عتقه لما ذكرنا أن الولد هو الأصل ‏.‏ ‏(‏ ولو ولدت ‏)‏ الجارية المبيعة ‏(‏ لأكثر من نصف سنة وأقل من سنتين ‏)‏ منذ بيعت ‏(‏ إن صدقه المشتري ‏)‏ الدعوة ‏(‏ فالحكم كالأول ‏)‏ يعني يثبت نسبه وأميتها ويفسخ البيع ويرد الثمن عندنا خلافا لزفر والشافعي على ما مر ‏(‏ وإلا ‏)‏ أي وإن لم يصدقه المشتري ‏(‏ فلا يثبت ‏)‏ النسب لاحتمال أن لا يكون العلوق في ملكه فلم توجد الحجة فلا بد من تصديقه فإذا صدقه فقد رضي بإسقاط حقه فيثبت النسب ‏.‏ ‏(‏ وإن ‏)‏ ولدت ‏(‏ لأكثر من سنتين ‏)‏ منذ بيعت ‏(‏ لا تصح دعوته ‏)‏ ‏;‏ لأنه لم يوجد اتصال العلوي بملكه وهو الأصل ‏(‏ فإن صدقه المشتري ‏)‏ البائع ‏(‏ ثبت نسبه ‏)‏ أي نسب الولد ‏(‏ وحمل على النكاح ولا يرد البيع ولا يعتق الولد ‏)‏ ولا تصير الأمة أم ولد لحدوث العلوق بعد البيع ولا يستند على ما قبله حتى لزم بطلان بيعه ‏,‏ والأمة أم ولد لبائعه بملك نكاح بأن ملكها ثم باعها فاستولدها بالنكاح حملا لأمره على الصلاح ‏.‏

كتاب الإقرار

كتاب الإقرار مناسبته بالدعوى لأن حال المدعى عليه دائر بين الإقرار والإنكار ‏,‏ وإلى الإقرار أقرب لأن الغالب في حال المسلم الصدق ‏(‏ وهو ‏)‏ - لغة - الإثبات من قر الشيء قرارا إذا قام وثبت ‏,‏ ومنه ثابت القدم لمن قر ‏,‏ ويقال ‏:‏ أقره إقرارا إذا أقامه هذا في الحسي ‏,‏ وأما في القول يقال ‏:‏ أقر به إذا أظهر بالقول ‏,‏ - وشرعا - ‏(‏ إخبار ‏)‏ أي إعلام بالقول فلو كتب أو أشار ولم يقل شيئا لم يكن إقرارا ويدخل فيه ما إذا كتب إلى الغائب ‏:‏ أما بعد فله كذا ‏,‏ فإنه كالقول شرعا كما في القهستاني ‏(‏ بحق ‏)‏ أي بما يثبت ‏,‏ ويسقط من عين وغيره لكنه لا يستعمل إلا في حق المالية فيخرج عنه ما دخل من حق التغرير ونحوه ‏(‏ لآخر على نفسه ‏)‏ أي لغير المخبر على المخبر ‏,‏ أما لنفسه على آخر فهو دعوى ‏,‏ ولآخر على آخر فهو شهادة ‏,‏ وفيما قاله أبو المكارم من أن التعريف منقوض بإقرار الوكيل في حق الموكل كلام لنيابته منابه شرعا ‏,‏ والدليل على حجيته الكتاب والسنة وإجماع الأمة ونوع من المعقول ‏.‏ وشرطه الحرية والعقل والبلوغ ‏.‏ وركنه أن يقول المقر ‏:‏ لفلان علي كذا ‏(‏ ولا يصح ‏)‏ الإقرار ‏(‏ إلا لمعلوم ‏)‏ أي لشخص معلوم لأن المجهول لا يصلح مستحقا ‏,‏ ‏.‏ وفي المنح ‏:‏ وأما جهالة المقر له فمانعة من صحته إن تفاحشت كلواحد من الناس علي كذا ‏,‏ وإلا كلأحد هذين علي كذا لا ‏.‏ ولا يجبر على البيان ولكل منهما أن يحلفه وفي الدرر ‏:‏ وإن لم يتفاحش بأن أقر بأنه غصب هذا البعد من هذا أو من هذا فإنه لا يصح عند شمس الأئمة السرخسي لأنه إقرار للمجهول ‏,‏ وأنه لا يفيد ‏,‏ وقيل يصح وهو الأصح وتمامه فيه ‏,‏ فليطالع ‏.‏

باب الاستثناء وما في معناه

لما ذكر موجب الإقرار بلا تغير شرع في بيان موجبه مع التغيير ‏,‏ وهو الاستثناء وما في معناه في كونه مغيرا للسابق كالشرط ونحوه ‏.‏ والاستثناء ‏:‏ تكلم بالباقي بعد الثنيا باعتبار الحاصل من مجموع التركيب ‏,‏ ونفي باعتبار الأجزاء هذا عندنا ‏.‏ وعند الشافعي ‏:‏ إخراج بعد الدخول بطريق المعارضة وهذا مشكل فإن الاستثناء جائز في الطلاق والعتاق ‏,‏ ولو كان إخراجا لما صح لأنهما لا يحتملان الرجوع والرفع بعد الوقوع كما في التبيين وشرط في الاستثناء الاتصال بالمستثنى منه إلا إذا انفصل عنه لضرورة نفس أو سعال أو أخذ فم فإنه لا يقطع الاتصال كما في الطلاق ‏.‏ والنداء بينهما لا يضر كقوله لك علي ألف درهم - يا فلان - إلا عشرة بخلاف لك ألف - فاشهدوا - إلا كذا ونحوه مما يعد فاصلا ‏,‏ فإن الاستثناء لا يصح معه كما في المنح وفيه إشارة إلى أنه لو استثنى منفصلا عن إقراره لا يصح لأنه يؤدي إلى الرجوع عن الإقرار ‏,‏ والرجوع عنه غير جائز مطلقا فيلزمه ما أقر ‏(‏ صح استثناء بعض ما أقر به لو ‏)‏ كان الاستثناء ‏(‏ متصلا ‏)‏ بإقراره ‏(‏ ولزمه باقيه ‏)‏ لأن الاستثناء مع الجملة أي الصدر عبارة عن الباقي ‏,‏ لأن معنى قوله ‏"‏ علي عشرة إلا درهما ‏"‏ معنى قوله ‏"‏ علي تسعة ‏"‏ ‏,‏ سواء استثنى الأقل أو الأكثر وهو قول للأكثر لورودهما في كلام الله تعالى وهو المذهب كما في التبيين ‏.‏ وقال الفراء استثناء الأكثر لا يجوز لأن العرب لم يتكلم بذلك وهو مذهب زفر ‏.‏ وفي النهاية ولا فرق بين استثناء الأقل أو الأكثر ‏,‏ وإن لم يتكلم به العرب ‏,‏ ولا يمنع صحة إذا كان موافقا لطريقهم كاستثناء الكسور ‏,‏ ولم يتكلم به العرب ‏,‏ وهو الصحيح ‏,‏ ولا فرق بين أن يكون الاستثناء مما لا يقسم أو مما يقسم حتى إذا قال ‏:‏ هذا العبد لفلان إلا ثلثه أو قال إلا ثلثيه صح ‏.‏

باب إقرار المريض

أقره في باب على حدة لاختصاصه بأحكام ليست للصحيح ‏,‏ وأخره لأن المرض بعد الصحة ‏(‏ دين صحته ‏)‏ أي المريض ‏(‏ وما لزمه ‏)‏ أي المريض ‏(‏ في مرضه ‏)‏ أي في مرض الموت ‏(‏ بسبب معروف ‏)‏ كبدل ما ملكه بالاستقراض أو بالشراء ‏,‏ وعاينهما الشهود أو أهلك مالا أو تزوج بمهر مثلها وعاينهما الناس ‏(‏ سواء ‏)‏ لأنه لما علم سببه انتفى التهمة في الإقرار به فصار كالدين الثابت بالبينة في مرضه ‏(‏ ويقدمان ‏)‏ أي دين الصحة وما لزمه في مرضه بسبب معروف ‏(‏ على ما أقر به في مرضه ‏)‏ ولو كان المقر به وديعة كما في البحر هذا عندنا ‏,‏ وعند الأئمة الثلاثة الدينان سواء لأنه إقرار لا تهمة فيه لأنه صادر عن عقل ‏,‏ والذمة قابلة للحقوق في الحالين ولنا أن حق غرماء الصحة تعلق بمال المريض مرض الموت في أول مرضه لأنه عجز عن قضائه عن مال آخر ‏,‏ فالإقرار فيه صادف حق غرماء الصحة فكان محجورا عنه ومدفوعا به ‏(‏ والكل ‏)‏ أي كل واحد من دين الصحة ودين المرض بسبب معلوم ‏,‏ ودين المرض الثابت بمجرد الإقرار ‏,‏ فالكل إفرادي فإنه أكثر استعمالا كما في القهستاني ‏(‏ مقدم على الإرث ‏)‏ ‏,‏ وإن أحاط الديون المذكورة جميع ماله ‏,‏ والقياس أن لا ينفذ إلا من الثلث لكن ترك بالأثر ‏,‏ وهو قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا أقر المريض بدين جاز ذلك في جميع تركته ‏,‏ والأثر في مثله كالخبر لأنه من المقدرات فلا يترك بالقياس ‏,‏ فصار المقر له أولى من الورثة ولأن حق الورثة يتعلق بالتركة بشرط الفراغ عن حاجته ‏,‏ وقضاء دينه من حوائجه الأصلية كتكفينه ‏.‏

كتاب الصلح

كتاب الصلح وجه المناسبة في إيراده بعد الإقرار أن إنكار المقر سبب للخصومة وهي تستدعي الصلح ‏,‏ هو - لغة - اسم بمعنى المصالحة وهي المسالمة ‏,‏ خلاف المخاصمة ‏,‏ وأصله من الصلاح ضد الفساد ‏.‏ وفي الشرع ‏(‏ هو ‏)‏ أي الصلح ‏(‏ عقد يرفع النزاع ‏)‏ من الطرفين ‏,‏ وسببه تعلق البقاء المقدور بتعاطيه ‏,‏ وركنه الإيجاب والقبول الموضوعان له كما في الدرر وفي العناية الإيجاب مطلقا ‏,‏ والقبول فيما يتعين بالتعيين وقال ‏:‏ وأما إذا وقع الدعوى في الدراهم ‏,‏ وطلب الصلح على ذلك الجنس فقد تم الصلح بقول المدعي ‏:‏ فعلت ‏,‏ ولا يحتاج فيه إلى قبول المدعى عليه ‏,‏ وشرطه العقل لا البلوغ ‏,‏ والحرية وصح من صبي مأذون إن عري عن ضرر بين ‏,‏ ومن عبد مأذون ومكاتب ‏,‏ وشرط أيضا كون المصالح عليه معلوما ‏,‏ إن كان يحتاج إلى قبضه ‏,‏ وكون المصالح عنه حقا يجوز الاعتياض عنه ‏,‏ ولو كان غير مال كالقصاص والتعزير ‏,‏ معلوما كان المصالح عنه أو مجهولا لا يصح الصلح ‏,‏ أو كان المصالح عنه مما لا يجوز الاعتياض عنه كحق الشفعة ‏,‏ وحد القذف ‏,‏ والكفالة بالنفس وحكمه وقوع البراءة عن الدعوى كما في المنح والبحر ‏.‏

فصل يجوز الصلح عن مجهول

فصل ‏(‏ يجوز الصلح عن مجهول ‏)‏ لأنه إسقاط ‏(‏ ولا يجوز إلا على معلوم ‏)‏ لأنه تمليك فيؤدي إلى المنازعة ‏,‏ والصلح على أربعة أوجه ‏:‏ عن معلوم على معلوم ‏,‏ وعن مجهول على معلوم وهما جائزان ‏.‏ وعن مجهول على مجهول ‏,‏ وعن معلوم على مجهول وهما فاسدان ‏,‏ فالحاصل أن كل ما يحتاج إلى قبضه لا بد أن يكون معلوما ‏,‏ لأن جهالته تفضي إلى المنازعة وما لا يحتاج إلى قبضه يكون إسقاطا فلا يحتاج إلى علمه به فإنه لا يفضي إلى المنازعة ‏,‏ وتمامه في العناية وغيرها ‏,‏ فليطالع ‏.‏

باب الصلح في الدين

وهو الذي ثبت في الذمة ‏(‏ الصلح عما استحق بعقد المداينة ‏)‏ مثل البيع نسيئة ومثل الإقراض ‏(‏ على بعض جنسه ‏)‏ كمن له على آخر ألف درهم فصالحه على خمسمائة ‏(‏ أخذ ‏)‏ خبر المبتدأ ‏(‏ لبعض حقه ‏,‏ وإسقاط لباقيه ‏)‏ لأن تصحيح تصرف العاقل واجب ما أمكن ‏,‏ وقد أمكن ذلك فيحمل عليه ‏(‏ لا معاوضة ‏)‏ لإفضائه إلى الربا ثم فرعه بقوله ‏(‏ فلو صالح ‏)‏ المديون دائنه ‏(‏ عن ألف حال ‏)‏ في ذمته ‏(‏ على مائة حالة ‏)‏ بإسقاط ما فضل هو تسعمائة ‏(‏ أو ‏)‏ عن ألف حال ‏(‏ على ألف مؤجل ‏)‏ بإسقاط وصف الحلول فقط هو حق له كالفضل ‏(‏ صح ‏)‏ الصلح ‏.‏

فصل في الدين المشترك والتخاريج ‏(‏ إن صالح أحد ربي الدين ‏)‏ في دين ‏(‏ عن نصفه ‏)‏ أي الدين - وهو نصيبه - ‏(‏ على ثوب فلشريكه ‏)‏ الخيار إن شاء ‏(‏ أن يتبع المديون بنصفه ‏)‏ أي بنصف الدين لبقاء حصته في ذمته ‏(‏ أو يأخذ نصف الثوب ‏)‏ من شريكه لأن له حق المشاركة ‏,‏ لأنه عوض عن دينه ‏(‏ إلا أن يضمن ‏)‏ أي الشريك ‏(‏ له المصالح ربع الدين ‏)‏ لأن حقه في الدين لا في الثوب ‏,‏ ولا فرق بين أن يكون الصلح عن إقرار أو سكوت أو إنكار ثم ههنا قيدان ‏.‏ الأول أن يكون المصالح عنه دينا لأنه لو كان الصلح عن عين مشتركة يختص المصالح ببدل الصلح ‏,‏ وليس لشريكه أن يشاركه فيه لكونه معاوضة من كل وجه ‏,‏ لأن المصالح عنه مال حقيقة بخلاف الدين ‏.‏ والثاني أن يكون المصالح عليه ثوبا ‏,‏ والمراد خلاف جنس الدين لأنه لو صالحه على جنسه يشاركه فيه أو يرجع على المديون ‏,‏ وليس للقابض فيه خيار لأنه بمنزلة قبض بعض الدين ‏.‏ ‏(‏ وإن قبض ‏)‏ أحد الشريكين ‏(‏ شيئا من الدين شاركه شريكه فيه ‏)‏ أي في الذي قبضه ‏,‏ إذا لم يشاركه تلزم قسمة الدين قبل القبض وهذا غير جائز ‏,‏ فله أن يشاركه فيه إن شاء لأنه عين حقه من وجه ‏,‏ وإن شاء رجع على الغريم لأن حقه عليه في الحقيقة ‏(‏ واتبعا ‏)‏ أي رجعا الشريكان على ‏(‏ الغريم ‏)‏ أي المديون ‏(‏ بما بقي ‏)‏ من الدين لاستوائهما في الاقتضاء ‏,‏ ولو سلم له المقبوض ‏,‏ واختار متابعة الغريم ‏,‏ ثم توي نصيبه بأن مات المديون مفلسا رجع على القابض بنصف ما قبض لكن ليس له أن يرجع في عين تلك الدراهم المقبوضة بل يعود إلى ذمته ‏.‏

كتاب المضاربة

كتاب المضاربة هي مفاعلة من الضرب في الأرض ‏,‏ وهو السير فيها قال الله تعالى ‏{‏ وآخرون يضربون في الأرض ‏}‏ يعني الذين يسافرون في التجارة ‏,‏ وسمي هذا العقد بها لأن العامل فيه يسير في الأرض غالبا لطلب الربح ‏,‏ وأهل الحجاز يسمون هذا العقد مقارضة وقراضا ‏;‏ لأن صاحب المال يقطع قدرا من ماله ويسلمه للعامل ‏,‏ وأصحابنا اختاروا لفظة المضاربة لكونها موافقة للنص ‏.‏ وفي الشرع ‏(‏ هي ‏)‏ أي المضاربة ‏(‏ شركة ‏)‏ في ‏(‏ الربح ‏)‏ بأن يقول رب المال ‏:‏ دفعته مضاربة أو معاملة على أن يكون لك من الربح جزء معين كالنصف أو الثلث أو غيره ‏,‏ ويقول المضارب ‏:‏ قبلت ‏,‏ ففيه إشعار بأن كلا من الإيجاب والقبول ركن ‏,‏ والظرف للشركة ‏(‏ بمال من جانب ‏)‏ - وهو جانب رب المال - ‏(‏ وعمل من جانب ‏)‏ آخر وهو جانب المضارب ‏,‏ وهي مشروعة للحاجة إليها ‏;‏ فإن الناس بين غني بالمال غبي عن التصرف فيه ‏,‏ وبين مهتد في التصرف صفر اليد عن المال فمست الحاجة إلى شرع هذا النوع من التصرف لتنتظم مصلحة الغبي والذكي والفقير والغني وبعث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والناس يباشرونه فقررهم عليه ‏,‏ وتعاملت به الصحابة رضي الله تعالى عنهم ‏(‏ والمضارب أمين ‏)‏ ابتداء لأنه قبض المال بإذن مالكه لا على وجه المبادلة والوثيقة ‏.‏ والحيلة في أن يصير المال مضمونا على المضارب أن يقرضه من المضارب ‏,‏ ويشهد عليه ‏,‏ ويسلمه إليه ثم يأخذه منه مضاربة ثم يدفعه إلى المستقرض يستعين به في العمل بجزء شائع من الربح ‏,‏ فإذا عمل وربح كان الربح بينهما على الشرط ‏,‏ وأخذ رأس المال على أنه بدل القرض وإن لم يربح أخذ رأس المال بالقرض ‏,‏ وإن هلك المال هلك على المستقرض ‏,‏ وهو العامل وذكر الزيلعي حيلة أخرى ‏,‏ فليطالع ‏.‏ ‏(‏ فإذا تصرف ‏)‏ المضارب في المال ‏(‏ فوكيل ‏)‏ لأنه متصرف في ملكه بأمره ‏,‏ ولهذا يرجع بما لحقه من العهدة على رب المال كالوكيل ‏(‏ فإن ربح ‏)‏ منه ‏(‏ فشريك ‏)‏ لرب المال لأنه هو المقصود من عقد المضاربة ‏.‏

باب المضارب يضارب مع آخر

باب يقرأ بالتنوين وعدمه ‏(‏ المضارب يضارب ‏)‏ مع آخر ‏,‏ مضاربة المضارب مركبة فلهذا أخرها عن المفرد ‏(‏ فإن ضارب المضارب ‏)‏ أي دفع المضارب مال المضاربة إلى آخر مضاربة ‏(‏ بلا إذن ‏)‏ من رب المال ‏(‏ فلا ضمان ‏)‏ على المضارب إذا هلك المال بمجرد الدفع ‏(‏ ما لم يعمل ‏)‏ المضارب ‏(‏ الثاني ‏)‏ في المال فإذا عمل ضمن الدافع ربح الثاني أولا ‏(‏ في ظاهر الرواية ‏)‏ عن الإمام ‏(‏ وهو قولهما ‏,‏ وفي رواية الحسن عن الإمام لا يضمن بالعمل أيضا ما لم يربح ‏)‏ أي الثاني ‏.‏ وقال زفر ‏:‏ يضمن بالدفع ‏,‏ تصرف أو لم يتصرف ‏,‏ وهو رواية عن أبي يوسف وهو قول الأئمة الثلاثة لأنه دفع ماله إلى غيره بلا أمر فيضمن ولنا أنه كالإيداع قبل العمل وهو يملك الإيداع بنفسه ‏,‏ وجه ظاهر الرواية أن الربح إنما يحصل بالعمل فيقام سبب حصول الربح مقام حقيقة حصوله في صيرورة المال مضمونا به هذا إذا كانت المضاربة الثانية صحيحة ‏(‏ وإن كانت الثانية فاسدة فلا ضمان ‏)‏ على الأول ‏.‏ ‏(‏ وإن ‏)‏ وصلية ‏(‏ ربح ‏)‏ الثاني لأنه أجير ‏,‏ والأجير لا يستحق شيئا من الربح فلا تثبت المضاربة وله أجر مثله على المضارب الأول فيكون الربح بين الأول ورب المال على ما شرطا له ‏(‏ وحيث ضمن ‏)‏ أي حيث لزم الضمان بعمل الثاني في ظاهر الرواية وبالربح في رواية الحسن عنه ‏(‏ فلرب المال تضمين أيهما شاء ‏)‏ بإجماع أصحابنا ‏(‏ في المشهور ‏)‏ من الرواية ‏,‏ أي ‏:‏ خير رب المال إن شاء ضمن المضارب الأول رأس ماله لتعديه عليه ‏,‏ وإن شاء ضمن الثاني لقبضه بغير إذن المالك ‏,‏ وإن اختار رب المال أن يأخذ الربح ولا يضمن ليس له ذلك كما في المبسوط فإن ضمن الأول صحت المضاربة بينه وبين الثاني لأنه ملكه بالضمان من حين خالف بالدفع إلى غيره لا على الوجه الذي رضي به فصار كما إذا دفع مال نفسه وكان الربح على ما شرطا ‏,‏ وإن ضمن الثاني رجع بما ضمن على الأول بالعقد لأنه عامل له كالمودع ‏,‏ ولأنه مغرور من جهته في ضمن العقد ‏,‏ وصحت المضاربة بينهما ويكون الربح بينهما على ما شرطا ‏,‏ ويطيب للثاني ما ربح لأنه يستحقه بالعمل ولا خبث في العمل ‏,‏ ولا يطيب للأول لأنه لا يستحقه بملكه المستند بأداء الضمان ‏,‏ ولا يعرى عن نوع خبث كما في الهداية ‏(‏ وقيل على الخلاف في إيداع المودع ‏)‏ أي يضمن الأول فقط ‏,‏ ولا يضمن الثاني عند الإمام ‏,‏ وعندهما يضمن بناء على اختلافهم في مودع المودع فإن عنده لا يضمن وعندهما يتخير ‏,‏ والفرق بينهما للإمام أن مودع المودع كان يقبضه لنفع الأول فلا يكون ضامنا ‏,‏ أما المضارب الثاني فيعمل فيه لنفع نفسه فجاز أن يكون ضامنا ‏.‏

فصل في المتفرقات ‏(‏ ولا ينفق المضارب من مالها ‏)‏ أي من مال المضاربة ‏(‏ في مصره ‏)‏ الذي ولد فيه ‏(‏ أو في مصر اتخذه دارا ‏)‏ أي وطنا إذ لا يحتبس فيه لعمل المضاربة بل يسكن فيه بالسكنى الأصلي عمل أو لم يعمل قيد باتخذه وطنا لأنه لو نوى الإقامة في مصر ولم يتخذه وطنا فنفقته من مال المضاربة ‏.‏

كتاب الوديعة

كتاب الوديعة لا خفاء في اشتراكها مع ما قبلها في الحكم وهو الأمانة ‏,‏ وهي في اللغة مشتقة من الودع وهو مطلق الترك قال عليه الصلاة والسلام ‏"‏لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات أو ليختمن على قلوبهم ‏,‏ ثم ليكتبن مع الغافلين‏"‏ أي عن تركها يقال له مودع بفتح الدال ولتاركها مودع بكسرها ‏.‏ وفي الشريعة ‏(‏ الإيداع تسليط المالك غيره على حفظ ماله ‏)‏ صريحا أو دلالة لما قال في المحيط لو انفتق زق رجل فأخذه رجل ‏,‏ ثم تركه ‏,‏ ولم يكن المالك حاضرا يضمن ‏;‏ لأنه لما أخذه فقد التزم حفظه دلالة ‏,‏ وإن لم يأخذه ولم يذق منه لا يضمن ‏,‏ وإن كان المالك حاضرا لا يضمن في الوجهين ‏(‏ الوديعة ما يترك عند الأمين للحفظ ‏)‏ مالا كان أو غيره وركنها الإيجاب صريحا كقوله ‏:‏ أودعتك هذا المال أو كناية كما لو قال الرجل ‏:‏ أعطني ألف درهم أو قال رجل ‏:‏ أعطنيه فقال ‏:‏ أعطيتك فهذا على الوديعة كما في المنح أو فعلا كما لو وضع ثوبه بين يدي رجل ولم يقل شيئا فهو إيداع أما لو قال ‏:‏ لم أقبله لم يضمن بالهلاك ‏;‏ لأن الدلالة لا يعارض بالصريح ‏,‏ والقبول من المودع صريحا كقوله ‏:‏ قبلتها ونحوه ‏,‏ أو دلالة كما لو سكت عند وضعه بين يديه لما قال في الخلاصة لو وضع كتابه عند قوم فذهبوا وتركوه ضمنوا إذا ضاع ‏,‏ وإن قام واحد بعد واحد ضمن الأخير ‏;‏ لأنه تعين للحفظ فتعين الضمان ‏,‏ ولهذا لو وضع ثيابه في الحمام بمرأى الثيابي كان إيداعا ‏,‏ وإن لم يتكلم ولا يكون الحمامي مودعا ما دام الثيابي حاضرا ‏,‏ فإن كان غائبا فالحمامي مودع ‏,‏ ولو قال صاحب الخان ‏:‏ أين أربطها فقال هناك كان إيداعا ‏.‏ وفي البزازية لبس ثوبا بمرأى الثيابي فظن الثيابي أنه ثوبه ‏,‏ فإذا هو ثوب الغير ضمن هو الأصح ‏.‏ ولو نام الحمامي وسرق الثوب إن نام قاعدا لا يضمن ‏,‏ وإن مضطجعا يضمن وشرطها كون المال قابلا لإثبات اليد عليه حتى لو أودع الطير الآبق في الهواء والمال الساقط في البحر لا يصح ‏.‏

كتاب العارية

كتاب العارية أخرها عن الوديعة ‏;‏ لأن فيها تمليكا ‏,‏ وإن اشتركا في الأمانة هي مأخوذة من العرية وهي العطية المخصوصة بالأعيان ومستعملة في تلك المنافع ورده المطرزي وغيره بالمشتقات استعاره منه فأعاره واستعاره الشيء على حذف من وقيل هي منسوبة إلى العار ‏;‏ لأن طلبها عيب وعار على ما قاله الجوهر وابن الأثير ورد الراغب وغيره بأن العار يائي والعارية واوية على ما صرحوا أنفسهم به ‏.‏ وفي المغرب أنها منسوبة إلى العارة اسم من الإعارة ‏.‏ وفي النهاية إن ما في المغرب هو المعول عليه ‏;‏ لأنه عليه السلام باشر الاستعارة فلو كان العار في طلبها لما باشرها ‏,‏ وقيل هي في الأصل اسم موضوع بلا نسبة كالدردي والكرسي ‏,‏ وهي من التعاور ‏,‏ وهو التناوب بلا تشديد فكأنه يجعل للغير نوبة ‏,‏ ولنفسه نوبة ‏,‏ وقيل هي اسم العين المعار ‏,‏ وشريعة ‏(‏ هي ‏)‏ أي العارية بمعنى الإعارة للعارية التي هي اسم لما أعير وإلا لم يصح حمل التمليك عليه ‏(‏ تمليك منفعة ‏)‏ من عين مع بقائها احتراز عن قرض نحو الدراهم ‏,‏ وعن البيع والهبة ‏(‏ بلا بدل ‏)‏ احتراز عن الإجارة ‏.‏ وقال الكرخي هي إباحة الانتفاع بملك الغير لا تمليك المنفعة ‏,‏ وهو قول الشافعي ‏;‏ لأنها تنعقد بلفظ الإباحة ‏,‏ وتبطل بالنهي ‏,‏ والتمليك لا يبطل به كالهبة والإجارة ‏,‏ ولأن المستعير لا يملك الإجارة من غيره ‏,‏ ومن ملك المنافع ملك إجارتها ‏,‏ ولأن التمليك غير جائز مع الجهل بخلاف الإباحة إذ فيها لا يشترط ضرب المدة ‏,‏ ولنا أن العارية تنبئ عن التمليك لكونها من العرية هي العطية من الثمار ‏;‏ ولذا تنعقد بلفظ التمليك ‏,‏ وإنما انعقدت بلفظ الإباحة ‏;‏ لأنها استعيرت للتمليك بلا عوض كانعقاد الإجارة بلفظة الإباحة ‏,‏ والنهي ليس إبطالا للملك بعد ثبوته بل يمنع عن التمليك ‏;‏ لأنه دليل الرجوع والاسترداد ‏,‏ وإنما لا يملك المستعير الإجارة لما فيها من الضرر بالمعير ‏;‏ لأنه ملك المستعير المنافع على وجه يتمكن من الاسترداد متى شاء ‏,‏ فلو ملك المستعير الإجارة لم يتمكن المعير من ذلك ‏,‏ والجهل فيها ليس بمضر لعدم الإفضاء إلى النزاع لجواز رجوع المعير في كل ساعة ولحظة ‏,‏ والمنافع قابلة للتمليك كما في الوصية بخدمة العبد بضرب المدة ‏,‏ وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع ‏,‏ وإنما اختلفوا في كونها مستحبة ‏,‏ وهو قول الأكثر أو واجبة ‏,‏ وهو قول البعد ‏.‏ وشرطها قابلية العين للانتفاع بها مع بقائها ‏,‏ وسببها ما مر من التعاضد المحتاج إليه المدني بالطبع ‏,‏ ومحاسنها النيابة عن الحق سبحانه في إجابة المضطر ‏;‏ لأنها لا تكون إلا للمحتاج كالقرض فلهذا كانت الصدقة بعشرة ‏,‏ والقرض بثمانية عشر ‏(‏ ولا تكون ‏)‏ العارية ‏(‏ إلا فيما ينتفع به مع بقاء عينه ‏)‏ اعلم أن الإعارة نوعان حقيقة ومجاز ‏,‏ فالحقيقة ‏:‏ إعارة الأعيان التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها كالثوب والدار والعبد والدابة ‏,‏ والمجاز إعارة ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه كالدراهم والدنانير وغيرهما من المكيل والموزونات فتكون إعارة صورة وقرضا معنى ‏,‏ وعن هذا قال ‏(‏ وإعارة المكيلات والموزون والمعدود قرض ‏)‏ ‏;‏ لأن الانتفاع بها إنما يمكن باستهلاك عينها فاقتضى إعارتها تمليكها ‏,‏ وذلك يكون بالهبة أو القرض لكونه أدنى ضررا ‏;‏ لأنه يوجب رد المثل ‏(‏ إلا إذا عين انتفاعا يمكن رد العين بعده ‏)‏ أي بعد الانتفاع كما لو استعار دراهم ليعاير بها ميزانا أو ليزين بها دكانا صارت عارية لا قرضا ‏.‏